ابو جعفر محمد جواد الخراساني

115

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

وامّا الطالحون : فإنّ مثل هذا إذا نالهم ، كسر شرتهم وردعهم عن المعاصي والفواحش ، وكذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا في ذلك ؛ امّا الأبرار : فإنّهم يغتبطون بما هم عليه من البرّ والصلاح ويزدادون فيه رغبة وبصيرة ؛ اما الفجّار : فإنّهم يعرفون رأفة ربّهم وتطوّله عليهم بالسلامة من غير استحقاق ، فيحضّهم ذلك على الرأفة بالنّاس والصفح عمّن أساء إليهم . ولعلّ قائلا يقول : إنّ هذه الآفات الّتي تصيب النّاس في أموالهم ، فما قولك فيما يبتلون به في أبدانهم ، فيكون فيه تلفهم ، كمثل الحرق والغرق والسّيل والخسف ؟ فيقال لهم : إنّ اللّه جعل في هذا أيضا صلاحا للصنفين : امّا الأبرار : فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها ، والنجاة من مكارهها ؛ وامّا الفجّار : فلما لهم من ذلك من تمحيص أوزارهم وحبسهم عن الازدياد منها . وجملة القول : إنّ الخالق - تعالى ذكره - بحكمته وقدرته قد يصرّف هذه الأمور كلّها إلى الخيرة والمنفعة ، فكما أنّه إذا قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة ، اخذ الصانع الرفيق واستعملها في ضروب من المنافع ، فكذلك يفعل المدبّر الحكيم في الآفات الّتي تنزل بالنّاس في أبدانهم وأموالهم ، فيصيرها جميعا إلى الخيرة والمنفعة . فان قال : فلم يحدث على الناس ؟ قيل له : لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول السلامة فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي ، ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البرّ ؛ فانّ هذين الأمرين جميعا ، يغلبان على النّاس في حال الخفض والدعة ، وهذه الحوادث الّتي تحدث عليهم تردعهم وتنبّههم على ما فيه رشدهم ، فلو